أبو بكر الصديق رضي الله عنه الصاحب في الهجرة و ثاني الاثنين في الغار
يقول الله تعالى: “الا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم”. الآية 40 من سورة التوبة اعتماد التاريخ الهجري سنة عمرية ومكرمة فاروقية تضاف إلى سنن ومكرمات عديدة لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسخت دين الإسلام وأعزت امة الإسلام فجازى الله الفاروق عن دينه وأمته خير الجزاء. فهو رضي الله من أعطى هذا الحدث في تاريخ الإسلام ما يستحق من الأهمية فجعله مبتدأ تاريخهم ومنطلقه لان الهجرة حد فاصل بين عهدين عهد الضعف والتخفي بالدعوة وعهد التمكين والإعلان لدين الله الذي أرسل به سيد الكائنات عليه الصلاة والسلام للناس كافة. وهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كانت مقدرة وواردة من اليوم الأول لبعثته عليه السلام ألم يقل له ورقة ابن نوفل عندما قص عليه ما رأى وسمع عليه الصلاة والسلام في غار حراء (لئن عشت إلى أن يخرجك قومك) فقلا عليه الصلاة والسلام (أو مخرجي هم؟) فقال ورقة (ما من نبي دعا بدعوتك إلا أخرجه قومه). * فالهجرة هي سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ولكن سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن يعلم متى يؤذن له بالهجرة ؟ ولا إلى أين سيتجه في هجرته؟ فلكل ذلك في علم الله وهو سبحانه وتعالى من يختار لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام المكان والزمان. ولذلك رأيناه عليه الصلاة والسلام طيلة الفترة المكية (وهي الأطول من عمر الرسالة) يعمل كما لو انه مقيم دائما في مكة. نعم لقد فكر بحدب شديد في أوضاع أصحابه الذين آمنوا به واتبعوه فعمل قصارى جهده من اجل أن يوفر لهم المهاجر الآمن والأفضل وكان اختياره على الحبشة حيث النجاشي ذلك الملك العادل كما انه عليه الصلاة والسلام وهو الداعي أبدا إلى دين الله والساعي في هداية عباد الله نراه استقبل وهو لا يزال في مكة بمناسبة الحج إلى مكة القادمين من مختلف الأمصار وعرض عليهم الدين الذي بعثه الله به فكانت بيعة العقبة الأولى والثانية وكان المبايعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم من يثرب (المدينة لاحقا) والذين تكاثر عددهم وازداد على مر الأيام وأصبحت المدينة وجهة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن سلطت عليهم قريش سياط عذابها وشديد تنكيلها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن بالهجرة لكل من يستأذنه من أصحابه إلا أبا بكر رضي الله عنه الذي استمهله في كل مرة استأذن فيها بالهجرة قائلا له: تمهل لعل الله يتخذ لك رفيقا وشاء الله أن يكون هذا الرفيق لأبي بكر رضي الله عنه خير رفيق ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلد القرآن الكريم هذه الرفقة بما لا يزال يتلى في كتاب الله العزيز من آيات الذكر الحكيم والتي منها هذه الآية. يقول جل من قائل (ألا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا) في الآية استنفار للمسلمين كي ينصروا رسول الله صلى الله عليه سلم ويكونوا في مواجهة وقتال أعدائه الكافرين أي إذا لم تفعلوا وتراخيتم وتثاقلتم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه وبقيادته فان الله القوي القدير ناصر لا محالة رسوله ونبيه وهو معه على الكفار مهما كان عددهم ومهما كانت عدتهم. والدليل والبرهان على هذه النصرة الإلهية الدائمة المتواصلة من الله لرسوله انه سبحانه وتعالى نصره على المشركين الذين أخرجوه من مكة بعد أن ضيقوا عليه واحتسبوا أنفاسه وأرادوا به كيدا ولكنهم لم يفلحوا فقد نصره الله وأيده وحماه ورعاه بعينه التي لا تنام ولم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش ولم تكن له عدة ومع ذلك فان الله نصره بحيث تمكن من الخروج من مكة دون أن يناله أي أذى ولم تستطع قريش أن تصل إلى مبتغاها ومرادها بعد أن اتفق رؤوسها على تقاسم دمه عليه الصلاة والسلام. “ثاني اثنين إذ هما في الغار” والغار المذكور في الآية هو الغار الواقع في جبل ثور الذي آوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعدما خرجا من مكة متخفيين عن أعين قريش التي رصدت العيون وجهزت الفرسان لتقاسم دم رسول الله صلى الله عليه وسلم. تقول كتب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أذن له الله بالهجرة جاء إلى منزل أبي بكر في غير الوقت المعتاد وبشر صاحبه الصديق بالهجرة (والذي طالب بالصحبة وكان له ذلك) وتكفلت أسرة أبي بكر بالإعداد المادي لهذه الرحلة المباركة من الزاد إلى الراحلة إلى الدليل إلى الراعي فكانت لأسماء ذات النطاقين دور ولعبد الله أخيها دور وللراعي دور بحيث تكاملت الأدوار في إعداد محكم لتكون إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه في الغار في امن وطمأنينة. واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لينام في فراشه إلى الصباح حتى لا تتفطن قريش إلى خروجه عليه الصلاة والسلام وكان الأمر كذلك إذ استيقظ أولئك الحراس الذين كانوا على الباب فوجدوا عليا في الفراش ولم يجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أثرا فقد خرج من بينهم وجعل الله بينه وبينهم سدا فأغشاهم فهم لا يبصرون. وكانت لعلي رضي الله عنه مهمة أخرى تمثلت في خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أداء الأمانات إلى أهلها. وفي الطريق إلى الغار وداخل الغار رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحبه أبي بكر آيات في الفداء والحب والحرص على سلامته عليه الصلاة والسلام تمثلت في تنقله من اليمين إلى الشمال ومن الخلف إلى الأمام استعدادا لفداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ثم انه استمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل قبله الغار ليتثبت مما فيه ووقاية وحماية لرسول الله وسد كل الثقب التي فيه وعندما دخلا الغار أوجس الصديق خيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس على نفسه فرسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه فضلا عن أهله وماله وقد عبر رضي الله عنه في أكثر من مناسبة واستحق الصديق رضي الله عنه أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه (لو وزن إيمان هذه الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر). إن (ثاني اثنين) نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه وأكرم بها من تثنية ستتبعها معية يا لها من معية إنها معية الله للرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه “إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه عن الحزن وذلك لما رأى أبو بكر المشركين عند باب الغار فقد خشي أن يصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلام وينالوا منه. روى البخاري ومسلم عن انس قال “كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين فقلت يا رسول الله لو أن احدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟” (لا تحزن إن الله معنا) الذي تولى التسليمة والطمأنينة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم المتيقن من معية ربه ونصره الذي لا يتخلف ولا يتأخر قال تعالى (فانزل الله سكينته عليه) عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه البيهقي وغيره “فانزل سكينته على أبي بكر لان النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه”. (وأيده بجنود لم تروها) وقد تكرر في آيات عديدة وفي مواضع كثيرة اخبار الله عن تأييده لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بالجنود الذين قاتلوا إلى جانبه وشدوا أزره في مواقع كثيرة وكل ذلك داخل في صفة القدرة الإلهية التي تقول للشيء كن فيكون وهي من مقتضيات ومستلزمات الإيمان فمن آمن بالله لا يجوز له أن يستبعد أي أمر فكل ذلك داخل في قدرة الله. تكرر هذا الأمر في غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهد أثره الحسي الملموس أعداؤه مثل أصحابه. (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) هكذا كان حال الكافرين دائما كانوا الآذلين وكانوا المغلوبين كانت كلمتهم هي السفلى أما كلمة الله فهي العليا دائما وجند الله وحزبه هم من افلح دائما ومن انتصر دائما لان الله كان معهم دائما. وفي الهجرة في الغار وفي الطريق والى الوصول إلى المدينة كان الركب الميمون محفوفا بعين العناية الإلهية تحرسه وتسدد خطاه لذلك أسدت العنكبوت بيتها عند باب الغار وبيضت الحمام كما لو أن الغار لم يدخله احد من زمان بعيد وغاصت قوائم فرس سراقة عندما جره طمعه إلى ملاحقة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه وكاد أن يهلك لو لا انه طلب الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ودرت شاة أم معبد لبنا شرب منه رسول الله وصاحبه وتركا لأهل الخيمة منه وكان الوصول إلى المدينة وكان الاستقبال فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه استقبال الأبطال.