تفسير سورة “الفاتحة” فضائل سورة الفاتحة وما تضمنته من معاني الحمد والتوحيد وبليغ الدعاء
بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تعالى (الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) صدق الله العظيم. سورة الفاتحة سورة مكية وقيل إنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة وقد تعددت أسماؤها فهي الفاتحة يفتتح بها الكتاب العزيز وتفتتح بها الصلوات وهي أم الكتاب ويقال لها الشفاء ويقال لها الرقية وأساس القرآن وقد وردت في أسمائها عديد الأحاديث النبوية الشريفة التي كلها تنطبق على سورة (الحمد لله رب العالمين). كما وردت عديد الأحاديث في فضل الفاتحة من ذلك ما رواه الإمام احمد في مسنده عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلّي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت قال فأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال قلت يا رسول الله إني كنت أصلي قال: ألم يقل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ثم قال (لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد قال فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت يا رسول الله انك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل ان تخرج من المسجد قال فأخذ بيدي فلما أراد ان يخرج من المسجد قلت يا رسول الله انك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال نعم (الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) وهكذا رواه البخاري وعن أبي كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما انزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط قال فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ابشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ حرف منها إلا أوتيته وهذا لفظ مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام) فقيل لأبي هريرة إنا نكون خلف الإمام قال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله عزّ وجل: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سال) فإذا قال (الحمد لله رب العالمين) قال الله حمدني عبدي وإذا قال (الرحمان الرحيم) قال الله أثنى عليّ عبدي فإذا قال (مالك يوم الدين) قال الله مجّدني عبدي وقال مرة فوّض إلي عبدي فإذا قال (إياك نعبد وإياك نستعين) قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال فإذا قال (إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله هذا لعبدي ولعبدي ما سال. وقد ذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة وبدونها لا تصح الصلاة وقد استدلوا بأحاديث منها (من صلى صلاة لم يقرا فيها بأم الكتاب فهي خداج) أي ناقصة غير تامة ومنها (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ومنها (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن). وفي قراءة المأموم للفاتحة هناك عدة أقوال أقواها انه تجب القراءة على المأموم في السرية ولا تجب في الجهرية وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبّر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا). وفاتحة الكتاب أفضل ما يتقرب به إلى الله وأفضل ما يدعى به ويطلب منه ولا تزال السورة التي يحافظ على تلاوتها المؤمنون في كل أحوالهم بها يتحصنون من كل شر ومكروه عملا بقوله عليه الصلاة والسلام (إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله احد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت) ولو إننا أطلقنا العنان للقلم لأوردنا الكثير في فضائل هذه السورة ومعانيها التي أطنب المفسرون في تبيينها ولاستغرق ذلك منا الحيز الكبير ولكن حسبنا بعد ان أوردنا هذه النصوص من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المعددة لأسماء هذه السورة والمنبهة لمنزلتها من كل الصلاة بحيث لا تصح الصلاة دونها إذ لا بدّ من قراءتها في كل ركعة إذ يجزى معها ما تيسر من الآيات ولا يجزي القليل ولا الكثير من الآيات عن الفاتحة، وهذه الأهمية والمنزلة المتميزة لفاتحة الكتاب إنما تعود لما تضمنته من المعاني المجسمة لحقيقة العبودية لله تبارك وتعالى التي من أجلها خلق الله الأنس والجن (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والصلاة ركن أساسي من أركان الإسلام وعبادة من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله. والله تبارك لا يحب ان يتقرب إلا بها فرض (وما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه) فالقليل اليسير من الخير يجزى بعد آداء الفرائض ولكن الكثير من الخير لا يجزى إذا لم يؤد المؤمن ما فرض الله عليه وفي هذا المعنى علق رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول الأعرابي: والله لا أزيد عليهن بعد أن علم منه أركان الإسلام الخمسة، بقوله (افلح صاحبكم ان صدق). والصدق في كل العبادات مطلوب وهو أساس القبول ولكنه في الصلاة يبدو بجلاء فالمصلي الذي يناجي ربه وهو واقف بين يديه يتلو فاتحة الكتاب وما تيسر بعدها من القرآن والراكع لربه ثم الساجد له سبحانه هي في حالة من الترقي تحقق للقائم بها بصدق وحضور كامل مع مولاه القرب الذي ما بعده قرب الم يقل عليه الصلاة والسلام (اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). ولذلك فإن من السجدات ما ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين وتجعله من أقرب المقربين من رب العالمين يدعوه فيستجيب له. وقد ورد في الحديث انه من صلى لله ركعتين من التكبير إلى التسليم لم تحدّثه فيهما نفسه دخل الجنة أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والناظر لفاتحة الكتاب القارئ لها بتدبر وإمعان يجدها متضمنة لأسمى معاني الشكر والتوحيد والعبودية وابلغ الدعوات وأفضلها. والحمد غير الشكر وقيل (الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد من دونه ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العبد ولا يحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات لطاعته وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا). والحمد أعم من الشكر قال رضي الله عنه قد علمنا سبحان الله ولا اله إلا الله فما الحمد لله فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه. فقد علم الله تبارك وتعالى عجزنا عن شكره وحمده على نعمه الظاهرة والخفية التي لا نستطيع حصرها ولا عدها فأنزل علينا قوله جلّ من قائل: (الحمد لله) فالحمد كل الحمد لله وحده لأنه مستحق الحمد بحق والرب لا تقال إلا لله عزّ وجلّ (رب العالمين) والعالمين كل ما سوى الله من الموجودات، رب الجن والإنس. قال القرطبي العالم ما خلق الله في الدنيا والآخرة ذلك هو الصحيح (قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما ان كنتم موقنين) (الرحمان الرحيم) ترغيب جاء بعد ترهيب فالرب فيه ترهيب والرحمان الرحيم فيه ترغيب فهو رحمان بكل عباده رحيم بالمؤمنين به من عباده المتقين. (مالك يوم الدين) و(ملك يوم الدين) ويوم الدين هو يوم الحساب ومن سوى الله يقدر على شيء في ذلك اليوم الرهيب الذي سيقف فيه العباد بين يدي رب العالمين للحساب انه يوم توسع في وصف أهواله وطوله وشدة العذاب فيه القرآن الكريم في عديد الآيات والسور، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم يوم تذهل فيه المرضعة عن رضيعها وتضع فيه كل ذات حمل حملها لا يفوز فيه ولا ينجو منه إلا من أتى الله بقلب سليم وعمل صالح ان مالك الملك وملك ذلك اليوم والمتصرف الأوحد فيه هو الله جلّ وعلا. (إياك نعبد وإياك نستعين) المؤمن يتوجه إلى ربه بتخصيصه دون سواه لأنه لا يستحق العبادة غيره فهو الخالق البارئ المصور وهو المتصرف الأوحد فلا يجوز ان يعبد سواه وعبادة غيره والتقرب إلى سواه شرك عظيم لا يغفره الله تبارك وتعالى فمن ذا الذي يستحق ان يعبد دون الله فما يوحي بالعبودية لا يجوز صرفه لغير الله جل وعلا فلا أحد مهما علا شانه ومهما ارتفعت منزلته يجوز ان يتقرب إليه بشعيرة أو يطلب منه شيئا، إذ لا يملك احد ان يدفع عن نفسه ضرا أو يجلب لها نفعا. ومن هنا فان الاستعانة هي احد مستلزمات العبادة فلا تكون إلا بالله الذي هو على كل شيء قدير وأمره بين الكاف والنون سبحانه وتعالى لذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال له (يا غلام تعال أعلمك كلمات إذا استعنت فاستعن بالله...) فالمستعين بالله يغنيه عن سواه لان قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه وحتى إذا ما طلب المؤمن من احد من عباد الله فينبغي ان يكون ذلك بعزة النفس لان الأمور كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجري بمقادير ولأجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس (واعلم ان الأنس والجن لو اجتمعوا على ان ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) وقد كان السلف الصالح إذا حزبهم أمر واشتد بهم حال فزعوا إلى الصلاة قرعوا بها أبواب مولاهم التي لا تغلق ودعوهم بكل جوارحهم كي يفرج كروبهم ويقضي حاجاتهم وكم كان منهم قريبا دعوه إذ ما من ليلة وفي الثلث الأخير إلا وينادي مناد من عند الله (هل من داع فاستجيب له؟ هل من صاحب حاجة فأعطيه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟). (إياك نعبد وإياك نستعين) ما أبلغه وما أوضحها إشارة تقدمت فيها كلمة (إياك) إياك لا سواك وأنت لا غيرك يا الله نتوجه إليه فنعبده وندعوه ونطلب منه ونستعين به لا يكفينا إلا الله ولا يغنينا إلا الله فهو وحده نعبده ونتقرب إليه بما يرضيه عنا مما أمرنا به من الطاعات والقربات. (إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فالله تبارك في هذه السورة العظيمة الكثيرة الترداد على ألسنتنا في الصلاة وفي غير الصلاة والتي نحفظها عن ظهر قلب يأمرنا بان ندعوه ونطلب منه الهداية التي هي منه لا يملكها أحد غيره (انك لا تهدي من أجبت ولكن الله يهدي من يشاء) فمن يهدي الله فهو المهتدي (ومن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام) فالمؤمن يدعو ربه ان يهديه إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه الصراط الذي ترك الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته حين قال (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهار لا يزيغ عنها إلا هالك). هذا الصراط المستقيم لا اعوجاج فيه ولا ضرر ولا ضرار انه سبيل من انعم الله عليهم من عباد الله الصالحين من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، صراط الأمة الشاهدة على الأمم، الأمة الوسط (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) وقوله (خير أمة أخرجت للناس) إنها الأمة التي انعم الله عليها بالهداية التي هي أعظم نعمة ومنة يمن بها الله على عباده لا تساويها الدنيا بكل ما فيها. فمن تكرم الله عليه بالهداية وأخرجه من الضلالة ووقاه من الغواية وسار في طريق الاستفاقة فهو في نعيم الذي ليس مثله نعيم لأنه نعيم مقيم (ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب) كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يلتزم قراءة هذه الآية طالبا من الله الثبات على الصراط المستقيم وحسن الخاتمة ذلك ان المؤمن على وجل شديد يخشى الفتنة والضلال بعد الإيمان والهداية والعياذ بالله نسأل الله العفو ونعوذ به من السلب بعد العطاء وندعوه تبارك ان لا يجعلنا مثل أولئك الذين غضب عليهم أو كالذين ضلوا عن سواء السبيل من الأمم التي سبقت من اليهود والنصارى أولئك الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم وضلوا سبيل الرشاد. ان فاتحة الكتاب بما اشتملت عليه من المعاني والعبر وبما دعت إليه من مداومة الشكر والحمد لله الذي يستغرق كل صنوف الحمد على نعمه الظاهرة والخفية المعلومة وغير المعلومة فهو جلّ وعلا رب العالمين وهو الرحمان الرحيم وهو مالك يوم الدين وما أدراك ما يوم الدين انه سبحانه وتعالى هو الذي يعبد وحده وهو الذي يستعان به دون سواه هذه السورة العظيمة تتدرج بالعبد في هذه المعاني الراقية العظيمة لتجعله يدعوه حالا ومقالا بقوله (إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) آمين آمين آمين لا أرضى بواحدة فهو جلّ وعلا سميع مجيب قريب رحيم بعباده وبالخصوص بأهل حبه ووداده وقد وعد وهو أصدق من وعد (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) فاللهم انفعنا بفاتحة الكتاب واجعلنا ببركاتها ممن هديتهم إلى الصراط المستقيم وحفظتهم بما حفظت به كتابك وسترتهم بما سترت به نفسك.